ابن الجوزي
290
صيد الخاطر
243 - الحرص والأمل عند السنين رأيت النفس بعد علو السن يقوى أملها ويزداد حرصها كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : يشيب ابن آدم وتشب منه خصلتان الحرص والامل . ورأيت أكثر أسباب ذلك فراغ اليد من الدنيا وكثرة العائلة وقوة الحاجة ، فيحتاج الانسان إلى التعرض بما يشين العرض ليحصل الغرض . فقلت : إلهي أبعد رؤية جبال عرفة أضل ؟ أبعد مشارفة الحرم تأخذني أعراب البادية ؟ وا أسفا أيطلع فجر النحر وما وصلت إلى عرفات ؟ ويا ضياع سفر العمر وما حصل المقصود ! قد كنت أرجوك لنيل المنى * واليوم لا أطلب الا الرضى ثم قلت : يا نفس ما لك ملجأ الا اللّجإ واستغاثة الغريق فان رحمت والا فكم من حسرة تحت التراب . 244 - الكهل والزوجة الصغيرة شكا لي بعض الأشياخ فقال : قد علت سني وضعفت قوتي ونفسي تطلب مني شراء الجواري الصغار ، ومعلوم أنهن يردن النكاح وليس فيّ ، ولا تقنع مني النفس بربة البيت إذ قد كبرت . فقلت له : عندي جوابان : أحدهما الجواب العامي ، وهو أن أقول ، ينبغي أن تشتغل بذكر الموت وما قد توجهت اليه ، وتحذر من اشتراء جارية لا تقدر على ايفاء حقها فإنها تبغضك ، فان أجهدت استعجلت التلف . وان استبقيت قوتك غضبت هي ، على أنها لا تريد شيخا كيف كان ، وقد أنشدنا علي بن عبيد اللّه قال أنشدنا محمد التميمي : أفق يا فؤادي من غرامي واستمع * مقالة محزون عليك شفيق علقت فتاة قلبها متعلق * بغيرك فاستوثقت غير وثيق وأصبحت موثوقا وراحت طليقة * فكم بين موثوق وبين طليق فاعلم أنها تعد عليك الأيام ، وتطلب منك فضل المال لتستعد لغيرك ، وربما قصدت حتفك فاحذر ، والسلامة في الترك والاقتناع بما يدفع الزمان .